بعد كل تفاعل كيميائي تنطلق طاقة ما , عناصرالتفاعل " تحسّ " بحرارة تلك الطاقة , وتحولها بشكل ما إلى شئ جديد مختلف .
تأخذنا هوية النص الأدبي بما تحمله من طاقة وما تبطنه من رموز , تأخذنا إلى ناتج جديد , أو شراكة رمزية بين الكاتب والمتلقي .
الشراكة الرمزية هنا تمر بالنص كموصّل بين الطرفين , مفترضة أن النص هو" منتج" يحتاج تسويقاً جيداً عند المتلقي .
في هذه الحالة سينوء النص تحت ثقل الهاجس الجمعي , وقد يحاول تحقيق حالة الدمج الكيميائية , ولكنه في تلك الحالة سيستجيب لشروط السوق .
هنا يقع النص في تناقض بين ما يضمره الكاتب , وبين ما يقوله خدمة ً
" للمستهلك " .
من جهة أخرى , لا تصف اللغة الشئ دفعة واحدة , بل تصفه مرات عديدة وبأشكال مختلفة , وبشكل ٍما تنتجه كنهر ٍلا يتشابه أبداً .
وما دامت اللغة متعددة الأوجه , والكاتب قادراً على اختيار وجه ٍ يختلف في كل نص ٍعن غيره , فلماذا تقلقنا الاستجابة للوجه "الشعبي " للغة .
هل يكون الجواب موجوداً في رؤية الكاتب لدوره ؟
يرى الكاتب نفسه "مركز جاذبية " , ويسعى حين يكتب " لمغنطة "المتلقي , نجد هنا الخيال وقد اقترب من التواصل , وكأننا جسدٌ وآخَره , أو مكان يعانق السابلة .
ولكن هذه الجاذبية لا تلتزم بالقوانين دائماً ,فقد يكسر المتلقي سطوة النص ,
ليصنع نصاً موازياً , وقد تنتج اللغة احتمالات لا تُحتمل .
ومما لايحتمل أن يصبح النص سلطة ً, بينما يدعي تجاوزه لكل سلطة , بهذا يصدق القول أن النص أشبه بموجة ٍ ذهاباً وإياباً, بحيث يخفي في تلافيفه غير ما يعلنه , وبحيث تستيقظ مضمراته وتأثيراته , حتى وإن زعم الكاتب خلوه من الهدف .
هل من حلٍ لتناقض الرغبة المضمرة بالتغيير , وادعاء البراءة من هذه الرغبة ؟
يصف" نيتشه" الشعر بالتعبير الجسدي عن حيوية الانسان ,عبر ممارسة الاندفاعات العميقة , ويصف الفكر بالقسم البارد من الإنسان .
نصوص "نيتشه " كانت بشكل ما حجر زاوية لبعض الفعل العنصري , لم يقصد أن يقتل بنصه أحداً ,لكن ما أضمرته نصوصه من اندفاعات واكتساحات , سوّغت القتل باسم النص .
إذاً يخرج النص عبر التأويل من مدينة "الفهم " إلى مدينة "الفعل" , مبتكراً طرقاً في التعبير لا تقل جمالاً أو قبحاً عن النص كما بدأ أول وهلة .
هكذا يبدو أني أسوق نصاً أزرق جداً وكاتماً للصوت في وقت واحد , نصاً لا يبشر , لفرط وثنيته , بأبعد من اللحظة .
ولكن ,إذا فحصنا النص المغيّر فلعلنا نجد إرادة التعبير عن الحقيقة ماثلة , ولكن بقسوة , فالإرادات تحضر في المتلقي كطاقةٍ , وفي الكاتب كمادة أولية .
بين أن يراعي الكاتب حاجته الخاصة للتعبير , أو حاجة المتلقي للحضور في النص,حتى قبل كتابته ,وبين أن يتحول الكاتب إلى جزء من قصف خارجي ٍ عنيف , أو أن يحافظ على موقعه المفترض, كوسيط بين الفكرة والمتلقي .
بينهما نحتاج إلى حقل يتسع لغناء الطرفين , ويتسع لهذه الكيمياء الباحثة عن شكل للروح , شكل يعتني بأن يكون الكاتب والمتلقي نُدامى في حفلة , وحاضرين كخيط رقيق و شلال قادم من الأعلى .
لكن من يضمن أن رقة الخيط ليست أوضح من هدير الشلال .
ياسر الأحمد
ytah76@hotmail.com